الشيخ محمد الصادقي

44

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) . « ما منعك » تلمح بأن طبيعة الحال وقضية المجال كانت السجدة دونما فتور ، حيث الآمر هو اللّه المولى والمأمورون هم ذلك الحشد العظيم بمن فيهم إبليس ، المولّى عليهم ربهم . فلا بد - إذا - من مانع هو أقوى من دافع ، كما هو قضية الحال في كل عصيان . « قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ » فكيف يسجد « خير منه » لمن هو أدنى ؟ إذ « خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » ! والنار خير من الطين في كافة الفاعليات مهما كان الطين - علّه - خيرا منها في قابليات ، ولكنها أيضا على ضوء فاعليات النار حيث تفعل آثارها فيه فتنبت منه نباتا وحيوانا وإنسانا . ذلك ولكنه أخطأ في بعدين بعيدين ، ثانيهما أنه رد على اللّه بذلك البرهان ! وكأنه غافل عما خلق أو جاهل به ، أم هو ظالم في تقديم المفضول على الفاضل ، وكل ذلك إلحاد بل هو أنحس من الإلحاد في اللّه والإشراك باللّه ، ولذلك استحق الدحر أبد الآبدين ، كما وأنه أخطأ في أصل البرهان « 1 » .

--> ( 1 ) . وتقريرا لقياس إبليس يقال : إن النار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السماوات ملاصق لها ، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السماوات - والنار قوية التأثير والفعل ، والأرض ليس لها إلّا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال - والنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة ، وأما الأرضية والبرد واليبس فهي تناسب الموت والحياة أشرف من الموت - ونضج الثمار متعلق بالحرارة وسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلا في هذين الوقتين ، وأما وقت الشيخوخة فهو وقت البرد واليبس